صديق الحسيني القنوجي البخاري

242

فتح البيان في مقاصد القرآن

غير مؤثرة واللّه معكم وناصركم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إذ الإيمان به يقتضي التوكل عليه وهو قطع العلائق ، وترك التملق للخلائق . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 24 إلى 25 ] قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ( 24 ) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 25 ) فلما قالا ذلك أراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوا أمرهما ، و قالُوا ما أخبر اللّه عنهم يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها وكان هذا القول منهم فشلا وجبنا أو عنادا وجراءة على اللّه ورسوله أَبَداً يعني مدة حياتنا تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول ما دامُوا فِيها بيان للأبد أي مقيمين فيها . فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا قالوا : هذا جهلا باللّه عز وجل وبصفاته وكفرا بما يجب له أو استهانة باللّه ورسوله ، وقيل أرادوا بالذهاب الإرادة والقصد ، وقيل أرادوا بالرب هارون وكان أكبر من موسى وكان موسى يطيعه ، والأول أولى إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ أي لا نبرح ههنا لا نتقدم معك ولا نتأخر عن هذا الموضع ، وقيل أرادوا بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر . قالَ موسى رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي يحتمل أن يعطف وَأَخِي على نفسي وأن يعطف على الضمير في إِنِّي أي إني لا أملك إلا نفسي ، وأن أخي لا يملك إلا نفسه ، وفيه ستة أوجه ذكرها السمين ، قال : هذا تحسرا وتحزنا واستجلابا للنصر من اللّه عز وجل ، وإنما قال وَأَخِي وإن كان معه في طاعته يوشع بن نون وكالب بن يوفنا لاختصاص هارون به ولمزيد الاعتناء بأخيه أو المعنى وأخي في الدين والأول أولى . فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ أي افصل بيننا يعني نفسه وأخاه وبينهم ، وميزنا عن جملتهم ولا تلحقنا بهم في العقوبة ، وقيل المعنى فاقض بيننا وبينهم ، وقيل إنما أراد في الآخرة . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 26 ] قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 26 ) قالَ فَإِنَّها أي الأرض المقدسة مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أي على هؤلاء العصاة بسبب امتناعهم من قتال الجبارين أَرْبَعِينَ سَنَةً ظرف للتحريم أي أنه محرم عليهم دخولها هذه المدة لا زيادة عليها فلا يخالف هذا التحريم ، ما تقدم من قوله : الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [ المائدة : 21 ] فإنها مكتوبة لمن بقي منهم بعد هذه المدة ، وقيل إنه لم يدخلها أحد ممن قال إنا لن ندخلها فيكون توقيت التحريم بهذه المدة باعتبار ذراريهم . وقيل إن أربعين سنة ظرف لقوله : يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ أي يتيهون هذا المقدار